الآخوند الخراساني

124

فوائد الاُصول

منافرة وبينونة حسب ما له من الوجدان والفقدان . إذا عرفت ذلك ، فقد عرفت أنّه لا مجال لإنكار اختلاف الأفعال بحسب خصوصيّات وجودها سعة وضيقا ، وخيرا وشرا الموجب لاختلافها بسبب المنافرة والملائمة للقوّة العاقلة ، ومع ذا لا يكاد أن يبقى مجال لإنكار الحسن والقبح عقلا إذ لا نعنى بها إلاّ كون الشّيء في نفسه ملائما للعقل فيعجبه أو منافرا فيغر به ، وبالضّرورة انّهما يوجبان صحّة المدح والقدح في الفاعل إذا كان مختارا بما هو فاعل ، كما لا يكاد أن يخفى على عاقل . ودعوى عدم اختلاف الأفعال في ذلك ، كدعوى عدم إيراث ذلك تفاوتا فيها وملائمة ومنافرة للعقل ، كدعوى عدم صحّة مدح الفاعل وذمّه على صدور الفعل الملائم والمنافر بالاختيار ، مكابرة واضحة . وإنّما أنكر الأشاعرة الحسن والقبح العقليين مطلقا ، أمّا في أفعاله تعالى فلبنائهم أنّه تعالى كلّما فعل صدر منه في محله لأنّه مالك الخلق كلّه ، فلو أثاب العاصي وعاقب المطيع لم يأت بقبيح لأنّه تصرّف في مملكته ومحلّ سلطانه ، لا يسأل عمّا يفعل وهم يسألون . وأمّا في أفعال العباد فلبنائهم على عدم صدور الأفعال منهم بالاختيار ، بل بالجبر والاضطرار ، ولا شيء من أفعال المجبور بحسن ولا قبح ، وكلا البناءين بإطلاق لأنّ علمه واستغناءه تعالى يمنع عن صدور ما لا يكون جهات كماله وخيره غالبا على جهات نقصه وشرّه . وقد عرفت في الفائدة السّابقة أنّ الفعل الاختياري ما يكون مسبوقا بمقدّمات الاختيار وصدورها معها على سبيل الوجوب لا ينافي الاختيار ، وإلاّ لم يكن بالاختيار أصلا ولو منه تعالى كما لا يخفى ، ولتفصيل ذلك مقام آخر . إن قلت : عليه لا بدّ من استقلال العقل بالحسن أو القبح في جميع الأفعال ، مع بداهة فساد ذلك . قلت : هذا انّما هو بحسب العقول القاصرة الناقصة ، لعدم إحاطتها بالجهات الخيريّة والشّريّة غالبا ، دون العقول الكاملة المحيطة بجميع جهات الأفعال ، فلا يكاد أن يشذّ فعل عن تحت حكومتها بالحسن أو القبح لكمال إحاطتها بجهاتها ، ولا يبعد أن يكون الصّحيحة المكتوبة فيها جميع الأحكام المورثة من إمام إلى إمام عليهم السّلام كناية عن عقل الإمام المنعكس فيه جميع الكائنات على ما هي عليها لتمام صفاته ، وكذا المراد بالجفر وغيره .